ماذا علمتني الحياة؟

ﺗﺄﻟﻴﻒ جلال أمين

394 ﺻﻔﺤﺔ

لا زلت أشعر ببعض الألم ووخز الضمير حتى الآن، كلما تذكرت منظر أبي وهو جالس في الصالة وحده ليلاً، في ضوء خافت، دون أن يبدو مشغولاً بشيء على الإطلاق، لا قراءة ولا كتابة، ولا الاستماع إلى راديو، وقد رجعت أنا لتوي من مشاهدة فيلم سينمائي مع بعض الأصدقاء. أحيي أبي فيرد التحية، وأنا متجه بسرعة إلى باب حجرتي وفي نيتي أن أشرع فورًا في النوم، بينما هو يحاول استبقائي بأي عذر هروبًا من وحدته، وشوقًا إلى الحديث في أي موضوع. يسألني أين كنت فأجيبه، وعمن كان معي فأخبره، وعن اسم الفيلم فأذكره، كل هذا بإجابات مختصرة أشد الاختصار وهو يأمل فى عكس هذا بالضبط. فإذا طلب مني أن أحكي له موضوع الفيلم شعرت بضيق، وكأنه يطلب مني القيام بعمل ثقيل، أو كأن وقتي ثمين جدًا لا يسمح بأن أعطي أبي بضع دقائق.لا أستطيع حتى الآن أن أفهم هذا التبرم الذي كثيرًا ما يشعر به شاب صغير إزاء أبيه أو أمه، مهما بلغت حاجتهما إليه، بينما يبدي منتهى التسامح وسعة الصدر مع زميل أو صديق له فى مثل سنه مهما كانت سخافته وقلة شأنه. هل هو الخوف المستطير من فقدان الحرية والاستقلال، وتصور أي تعليق أو طلب يصدر من أبيه أو أمه وكأنه محاولة للتدخل في شئونه الخاصة أو تقييد لحريته؟ لقد لاحظت أحيانًا مثل هذا التبرم من أولادي أنا عندما أكون في موقف مثل موقف أبي الذى وصفته حالاً، وإن كنت أحاول أن أتجنب هذا الموقف بقدر الإمكان لما أتذكره من شعوري بالتبرم والتأفف من مطالب أبي. ولكني كنت أقول لنفسي إذا إضطررت إلى ذلك “إني لا أرغب فى أكثر من الاطمئنان على ابني هذا، أو في أن أعبر له عن اهتمامي بأحواله ومشاعره، فلماذا يعتبر هذا السلوك الذى لا باعث له إلا الحب، وكأنه اعتداء على حريته واستقلاله؟" بفكر عميق و قلم شديد السلاسة- يحول امين سيرته الذاتية الى اداة سبر للمجتمع الذي نشأ فيه ..فأذا به يقارن بين ظروف نشاته و ظروف نشأة والده و من ثم اولاده و احفاده ، و يرجع الملاحظات الخاصة ( التي قد تكون عادية و يعتبرها البعض عابرة) الى ظواهرها و اصولها العامة فيربط الخاص بالعام و يتحول الفرد الى مرآة عاكسة لمجتمعه..و يتحول كتاب السيرة الذاتية الى كتاب يتناول حياة اجيال بكاملها.. يتناول الكتاب بعض التفاصيل الشخصية و لكن بهذا الربط الحيوي و الذكي مع الاسباب العامة فعندم يتحدث عن اخوته الثمانية و الاختلاف في شخصية كل منهم رغم نشوئهم في بيئة واحدة يكاد يرسم “بورتريه” لكل منهم بطريقة شديدة الذكاء و الصراحة ايضا..و يتناول طبعا تحوله الفكري العميق و الهادئ من القومية في بواكير شبابه الى الاشتراكية الى المادية الوضعية الى ان وصل الى مرحلته الاخيرة في نظرته الايجابية و المتعاطفة مع الدين عموما و الاسلام خصوصا ، و هي نظرة اخرجته من صف اليساريين و لكن لم تضعه بالضبط في خانة “الاسلاميين” و ان كان واضح التعاطف معهم..تحوله الى التعاطف مع الدين جاءت بعد ان عاش في الغرب و لاحظ الخواء الروحي الموجود مما جعله يشكك بجدوى مفهوم “التقدم”- يتوسع ايضا بشكل اكبر في هذا المفهوم في كتابه الاخر المهم “خرافة التقدم” في الكتاب مواقف كثيرة يقدمها الكاتب بهذه الطريقة العبقرية التي تجعل القارئ يستعيد حياته الخاصة و يحاول ربطها بالاطار العام الذي يعيش فيه.

اﻟﺘﺼﻨﻴﻒ : علماء

ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎﺕ... ﻛﻦ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﻳﻀﻴﻒ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎﺏ.