الحداثة السائلة

ﺗﺄﻟﻴﻒ زيجمونت باومان

304 ﺻﻔﺤﺔ

لم يعد بوسعنا أن نطيق أي شيء يدوم، لم نعد نعلم كيف يمكننا أن نفيد من الملل”.. بهذه الكلمات لبول فاليري يستهل زيجمونت باومان كتابه عن الحداثة السائلة، وهو استهلال له دلالة في سياق ما يريد أن يقوله باومان في هذا الكتاب، وهو أن العالم يتجه نحو مزيد من السرعة والميوعة والتبدل المستمر إلى حد غير من طبيعة الإنسان المعاصر الذي لم يعد يحتمل أشكال الثبات والديمومة، وهو إنسان الحداثة السائلة الذي يحاول باومان أن يحللها في هذا الكتاب. ويأتي هذا لكتاب ضمن سلسلة عملت الشبكة العربية للأبحاث والنشر على ترجمتها، وهناك تكملة لها بكتاب الحب السائل والحياة السائلة وغيرها.. وقد استمت كتابات باومان بالنقدية لنمط الحياة المعاصر، وعلى نحو يرصد التحولات الأخيرة في الحداثة والتي لم تلحقها النظرية النقدية. يستعمل باومان كلمة “سائل” بالاستعارة من طبيعة المواد الفيزيائية، فالمواد السائلة تتميز عن المواد الصلبة بعدم قدرتها على الاحتفاظ بقوى التماسك بين مكوناتها في حالة السكون، وفي أنها لا يمكن أن تحتفظ بشكلها بسهولة. بمعنى أنها لا تحتفظ بشكل محدد لفترة طويلة من الزمن، وتكون دائماً على استعداد إلى تغييره بحسب جريان الزمن، وذلك على عكس المواد الصلبة التي تأخذ أبعاداً مكانية واضحة، لكنها تحيد التأثيرات الخارجية، مما يقلل من أهمية الزمن والتغير. وفي حين تحرك المواد السائلة بسهولة، وتخرج سالمة عندما تلتقي المواد الصلبة؛ تؤثر المواد السائلة على الصلبة عندما تلتقيها، فإنها تتعرض للتغير، أو تصير رطبة أو منتقعة. ومن هذه الاستعارة، يصف باومان مسار الحداثة باعتباره عملية إذابة لكل ما هو صلب، وهو ما تجلى في دعوات التحرر من الماضي المستبد، والتنصل من الدين والمقدس، وتحطيم وتجاوز العادات والتقاليد والولاءات التي تثقل كاهل الفرد. وهذا التغير لم يلغيِ وجود مواد صلبة، فقد كان يهدف إلى إظهار مواد صلبة جديدة معدلة بديلة عن المواد الصلبة القديمة الناقصة. فقد كان الدخول في الحداثة وبناء نظام جديد يستوجب إذابة المواد الصلبة التي تقف في طريق الحساب العقلاني للنتائج، وهو عبر عنه ماكس فيبر بقوله “تحرير المبادرة والإقدام من قيود الواجبات العائلية ومن النسيج الكثيف الذي يميز الالتزامات الأخلاقية”. ويقتضي ذلك تحرير عملية التبادل المالي والمادي بين البشر من أسر العلاقات الاجتماعية التقليدية، وإبدالها بالمعايير العقلانية والاقتصادية. وقد تجلى هذا في الفصل التدريجي للاقتصاد عن تشابكاته الثقافية والأخلاقية والسياسية، وتأسيس نظام جديد يتحدد بلغة الاقتصاد. وهو نتاج تحرير السوق والأفكار الليبرالية عن تحرير الفرد. لكن المواد الصلبة التي أحلتها الحداثة قد تعرضت بدورها إلى موجة من السيولة غيّر من معالمها الأصلية على نحو أفقدها قيم الثبات والثقل التي كانت تتسم بها. وهو ما يرصده هذا الكتاب في مسارات متعددة. لكن يبدو أن هذه التغيرات التي كانت لها آثار سلبية على الفرد والمجتمع لم تحظ بالنقد والسعي نحو التجاوز، فيعتبر باومان أن مشكلة المجتمع المعاصر هو أنه توقف عن مسائلة نفسه، وكأنه لم يعد يجد أي بديل عن نفسه، وهذا لا يعني أنه توقف عن النقد، لكن النقد الموجه عاجز عن تفعيل نفسه وتطبيقه على الواقع، فبالرغم من الحرية المتاحة في هذا المجتمع، إلا أنه يصاحبها عجز غير مسبوق بتعبير ليفي شتراوس. فالنقد الذي يتلقاه المجتمع لا يُأخذ به، أو ربما يُسمح ببقاءه من دون أن يتاح له التأثير في بنية النظام. وحتى من يمارس النقد أو الشكوى على طبيعة هذا النظام، قد لا يصل في نقده إلى مرحلة الوعي بوجود خلل في الفلسفة التي يقوم عليها. -

اﻟﺘﺼﻨﻴﻒ : فكر فلسفي, مشاكل وأمراض إجتماعية

ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎﺕ... ﻛﻦ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﻳﻀﻴﻒ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎﺏ.