صراع مع الملاحدة حتى العظم

ﺗﺄﻟﻴﻒ عبد الرحمن حبنكة الميداني

472 ﺻﻔﺤﺔ

كتاب "صراع مع الملاحدة" كتاب ذائع الصيت، منتشر بين أيدي المتخصصين من طلبة العلم لاسيما المهتمين منهم بقضية الإلحاد خصوصاً، والمذاهب الفكرية المعاصرة عموما. والكتاب من مطبوعات دار القلم السورية ضمن سلسة "أعداء الإسلام" للدكتور عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ويقع في ثلاثمئة وسبع وستين صفحة. وقد كان دافع المؤلف إلى تصنيف الكتاب هو كشف زيف بعض الملاحدة المعاصرين وعلى رأسهم الدكتور صادق جلال العظم(2) الذي تصدى لمحاربة الإسلام في جذوره الكبرى – رغم استحسان المؤلف لعدم إثارة المعارك الجدلية مع الملحدين حتى لا تتهيأ لهم الفرصة لنشر أراءهم بين أبناء المسلمين – إلا أن ما رأه المصنف من تأثر الشباب المسلم بهذه المزاعم والافتراءات، واستجابة إلى إلحاح فريق من أهل الغيرة عل الإسلام هو ما دفعه للتصدر لهذه الضلالات. وقد كان تصنيفه للكتاب في صيف عام 1393هـ 1973م. لما كان الملاحدة - لا سيما في القرن العشرين - يتكئون على ما يسمونه "مناهج البحث العلمي" و"النظريات والاكتشافات العلمية" كأساس لنقض "الفكر الديني الغيبي". أصبح المنهج الأفضل والأنكى في دحض إفتراءاتهم ومزاعمهم هو قلب دليلهم عليهم واستخدام "المنهج العلمي" في البحث، والاكتشافات العلمية الحديثة، وشهادات العلماء المعاصرين على اختلاف تخصاصتهم، في تفنيد افتراءاتهم وإلزامهم بما يناقض مذهبهم من أساسه. وهو ما انتهجه المصنف في كتابه كطريقة ومنهجية عامة في رده على د. العظم. ولهذا افتتح كتابه بذكر أهم المغالطات الجدلية التي قام عليها مذهبهم. الحقيقة بين الدين والعلم: ويمكن القول بأن هذا المحور يشغل الجزء الأكبر من الكتاب فقد تناوله المصنف بالتفصيل في الفصول الثاني والثامن والتاسع، وبالتالي يمكن القول أن العلاقة بين الدين والعلم ومزاعم الاختلاف بينهما هو موضوع البحث وساحة الصراع بين المصنف وبين د. العظم. وقد أكد المصنف على أن الدين ليس قسيما مغايرا للعلم، بل هو حقيقة علمية ثبتت عن طريق الخبر المصدق؛ إذ أن الوسائل الإنسانية لاكتساب المعرفة لا تخرج عن ثلاثة أقسام: الحس، والاستدلال العقلي، والخبر المصدق. فلا يمكن للطرق الصحيحة حين تقصد أمرا واحدا أن تتناقض. وهذه الوسائل لم تعتمد كمصادر للمعرفة إلا لكونها قادرة على إعطائنا صورة صادقة مطابقة للواقع الذي هو معيار الحقيقة. وإنما يظهر الاختلاف بين وسائل المعرفة إما لخلل فيها، أو لتجاوزها لحدود عملها. وما يشتبه في كونه تعارضا بين العلم الديني والعلوم الحديثة، إما لعدم صحة النسبة إليهما (مثل أن ينسب للدين ما لا تصح نسبته إليه، أو أن ينسب للعلم بعض فرضياته ونظرياته الغير محققة على أساس علمي)، أو لاختلاف دلالات البيان لكل منهما (كتوهم تعارض البيان الجزئي من جهة مع بيان جزئي من جهة أخرة، أو كتوهم تعارض بيان جزئي وبيان أشمل وأكمل). ثم بين ما في المنهجية الإسلامية من مسالك علمية للترجيح بين الأدلة المتعارضة من حيث قوة الثبوت أو درجة الدلالة. مفاهيم المسلمين للإسلام: يعرض المصنف إلى واحد من أهم الاعتبارات التي ينبغي على كل منصف أن يجعله نصب عينيه حين يتناول الفكر الديني. وهي أن الإسلام هو دين الله للناس، وهو بذلك يتميز كل التميز عن فهم المنتسبين إليه الذين لا يمثلون حقيقته سواء في سلوكهم أو اراءهم، فلا تحمل أراءهم واجتهادتهم على النص. ثم عرض تصورا عاما لمنهج التعاليم الإسلامية وأهم ما طرأ عليها من اهتزاز لحقائقها عند المسلمين إما بتحميلها بعض أراء المنتسبين إليها، أو بتأثير الشبهات المثارة حولها من خلال التلاعب في نسب مفردات المنهج من حيث الحجم والمكانة، أو التزوير التلفيقي الكلي للصورة. مقدمة الصراع: يناقش المصنف في افتتاحية صراعه مع د. العظم إشكالية التعميم التي ابتلي بها عامة الملحدين كصورة من صور المغالطة المقصودة التي تدل على أنها ادعاءات مغرضة لخدمة قضية سياسية عالمية، فتصدر المصنف إلى فكرة: ربط "الفكر الديني" كسلاح بأيدي "الرجعية العربية" أو "النظام الإقطاعي الرأسمالي العربي" لتزييف الواقع وتزوير الوعي، والتبشير بانتصار المنهج العلمي وقوى التحرر على الفكر الديني الرجعي كما حدث في أوروبا. نافيا هذا القياس المبني على التعميم الشمولي الذي يزور الحقيقة الإسلامية ويجمع بينها وبين المسيحية أو الإقطاع الرأسمالي تحت قضية واحدة. كما تعرض المصنف إلى مغالطة شائعة وهي الربط بين الموروث الديني والتخلف الحضاري – في تصورهم - زاعمين أن الإصلاح لابد أن يأتي من الجذر؛ وقد نقد هذا الإدعاء من خلال المعارضة بالسوابق الحضارية للأمة الإسلامية وانتصاراتها الحديثة تحت المظلة الدينية. صراع من أجل قضية الإيمان بالله: مسألة الإيمان بالله أصل لكل المسائل التي ينازع فيها الملاحدة فعنها تتفرع الحقائق المفسرة للوجود. وبسبب عجز الملاحدة على مر العصور عن الإتيان بدليل يثبت عدم وجود خالق لهذا الكون، انحصرت أدلتهم في عدة إعتراضات ومغالطات جدلية واهية قديمة للتشغيب على هذه الحقيقة، إلا أنهم أضافوا إليها بعض العبارات البراقة كالحقائق العلمية والتطور الصناعي...إلخ. وقد تصدى المصنف إلى شبهة شيطانية قديمة تبناها د. العظم "من خلق الله؟" وزعمه أن الإيمان لم يقدم تفسيرا حيال المصدر الأول للأشياء، وبين المصنف أن غلطه من قياس التسوية المعتل الذي جمع بين الموجود الحادث وواجب الوجود تحت قضية واحدة. ثم قام المصنف بتفنيد إدعاءه عن المادة وعدم استحداثها من العدم متكئا إلى نظرية لافوزيه، من خلال نقده للاستقراء الزماني والمكاني والإدراكي وكون نظرية لافوزيه لم تتناول من الكون إلا مقطعا محدود الأبعاد؛ بالإضافة إلا أن وجود الحياة في المادة عن طريق التولد الذاتي لم يقترن بأي دليل تجريبي. ثم أشار المصنف إلى صور من التعصب واللاحيادية التي انتهجها د. العظم حين أعرض عن الشهادات المؤمنة للعلماء المديين ولم يذكر منها إلا ما يضعف موقفها كاحتجاجه بكلام وليم جيمس حول موقفه الإيماني النفعي العاطفي القائم على ميزان الأرباح والخسائر ليوهم القارئ أن هذه هي حجج المؤمنين، كما أنه يشيد ويغالي في تمجيد العلماء الملحدين أصحاب النظريات التي تخدم قضيته كماركس وفرويد ودوركايم متجاهلا خلفياتهم الدينية اليهودية وغاضا الطرف عن الانتقادات الواسعة الموجهة إلى نظرياتهم من علماء آخرين من نفس تخصصاتهم. ثم أجاب المصنف على اعتراضات د. العظم حول عدم ورود أي صورة من صور التعليل الغائي للكون والوجود في أي من النظريات العلمية الكبرى مشيرا إلى عدم الانسجام أو التباين بين النظرة العلمية التفسيرية وبين النظرة الدينية للوجود، بنفي العلاقة بين التعليل الأخلاقي للوجود وبين هذه النظريات التفسيرية، ولذلك فقد بين المصنف أن أصحاب هذه النظريات لم يكونوا ملحدين فضلا عن دعمهم لقضية الإلحاد من خلال هذه النظريات ولم ينكروا التعليل الأخلاقي المتماشي مع الجدية في هذا الكون والمنافي لفكرة العبثية الإلحادية القائمة على المصادفة وهو ما وصفه د. العظم بالنظرية التفسيرية الجامدة والباردة في مقابل دفء التفسير الإيماني واستجابة الفطر والعواطف الإنسانية لهذا النوع من التفسير على حد وصفه. صراع من أجل قضية الإيمان باليوم الآخر: ينفي د. العظم تبعا لبرتراند رسل أن يكون للإنسان حياة بعد الموت لعدم وجود أي مبرر عقلي أو مستند علمي لهذا الأمر. ويجيب المصنف على هذه المزاعم بأن الإيمان بالحياة بعد الموت والجزاء في دار غير هذه الدار قضية خبرية وليست قضية عقلية بحتة، ويستحيل أن يقام على مثل هذه القضية القائمة على مفهوم الحكمة والعدالة الإلاهية دليلا عقليا لمن ينكر وجود الخالق ابتداءاً. إلا أن الأدلة النظرية تشير إلى استحالة أن يقوم هذا الوجود بما فيه من إتقان وجدية في التصميم على أساس عبثي، فإن المسافة الهائلة في هذا العالم بين ما يحدث وما ينبغي أن يحدث تدل على أن مسرحا آخر قد أعد للحياة. ولذلك تشير الكثير من الحجج النظرية إلى أن الإيمان بحياة بعد الموت ضرورة لسعادة واستقامة الجماعة الإنسانية. وفيما يتعلق بالإثباتات العلمية لاستمرار وجود الروح فقد دلت الدراسات الروحية والعلمية أيضا أن شيئا روحيا غير هذا الجسد يظل مستمرا يحمل الخصائص الإنسانية العليا، ولولاها لما استطاع الإنسان المحافظة على مكتسباته السابقة بعد فناء جسده السابق أو بعد تعرضه لمراحل متعددة من الفناء في حياته. ثم أقام المصنف جملة من الأدلة العقلية والنظائر من الوقائع التاريخية والمكتشفات الحديثة التي تدفع توهمات منكري الحياة بعد الموت مثل استحالة جمع أجزاء البدن بعد تفرقها أو استحالة حفظ سجلاتها. برتراند راسل وفرويد إمامي العظم: من الملاحظ في كتاب د. العظم ظاهرة التعصب المذهبي لأقوال قادة المذهب المادي الإلحادي دون غيرهم. ولذلك فقد عمد المصنف إلى بيان عجز أحد أهم فلاسفة الإلحاد الذين اعتمدهم د. العظم في كتابه – برتراند راسل - عن تكوين فلسفة متكاملة حتى قيل عنه أنه فيلسوف بلا فلسفة، كما أشار إلى إقرار رسل بإستحالة الاطمئنان إلى مذهب التشكيك، وأن تمسك رسل بمذهبه – رغم اعترافه بعجزه عن إدراك المعرفة اليقينية - ما هوى إلى نوع من التعصب واتباع الهوى خلافا لما يدعيه د. العظم. أما بالنسبة لفرويد فرغم تخبطاته في منهجية التحليل النفسي وغرابة النتائج التي وصل إليها والانحرافات المنهجية التعميمية التي اتبعها في نظرياته، إلا أنه من المدهش تجاهل د. العظم إلى تعصب فرويد ليهوديته وعلاقاته القوية بالمنظمات اليهودية الهدامة وانحيازاته التفسيرية للمشكلة اليهودية ومعاداة السامية، وكيف جمع فرويد بين هذه العلقات وبين إلحاده المزعوم. مأساة إبليس: رغم أن قصة إبليس بالنسبة إلى د.العظم هي قصة خيالية من الأساطير الدينية، إلا أن د. العظم اتخذها تكئة لإلصاق الفرية الجبرية بالدين الإسلامي ومن ثم هدم الدعائم الدينية القائمة على حرية الاختيار وعدالة الثواب والعقاب المترتبة على الالتزام الحر بالتكليف. ولذلك فقد عمد إلى جملة من المغالطات التي لم يعتذر بها إبليس نفسه بل هي مناقضة لبديهيات العلم. وقد تصدر المصنف إلى رد هذه المزاعم وبيان مفهوم القدر والاختيار وتفنيد فكرة الجبر من خلال التفريق بين المشيئة الكونية والشرعية، ثم بين مغالطة إبليس في احتجاجه بخيرية النار على الطين وبين أن هذا خلاف الحقيقة المشاهدة كما أنه مخالف للفرضيات العلمية حول النشوء والارتقاء. ولو كان الامتثال للأمر على خلاف الطبيعة الإبليسية النارية كما خلقها الله لجاز للملائكة أن تمتنع عن الامتثال محتجة بخيرية النور على النار والطين. كما أشار إلى تناقضه في عدم الإنكار على صور التفاخر العنصري الإبليسي رغم خلفيته الماركسية. الكفر والكافرون: وفي نهاية الكتاب يتعرض المصنف إلى الصورة العامة والدائرة الكبرى لقضية الإلحاد كواحدة من تجليات الكفر بالخالق جل وعلا. فبين حقيقة الكفر، وواقع حال الكافرين، وأسباب كفرهم ودواعيه، ومناخ نمائه ونشاطه، وموقف المؤمنين منهم، وموقفهم من المؤمنين، وجدلياتهم، وأنواع عقوباتهم العاجلة والآجلة.

اﻟﺘﺼﻨﻴﻒ : مراجع دينية, فلسفة أديان, مقارنات أديان, قضايا اسلامية, وعظ وإرشاد, عقيدة, فقه, الدين والفلسفة, فكر فلسفي, دراسات فلسفية, علم المنطق

ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎﺕ... ﻛﻦ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﻳﻀﻴﻒ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎﺏ.