حارة اليهود

ﺗﺄﻟﻴﻒ محمد جبريل

182 ﺻﻔﺤﺔ

مضى في قلب حارة اليهود، يميزه قامة أميل إلى القصر والامتلاء، ورأس مهوش الفودين، وشعر كثيف يفز من فتحة الجلابية، أعلى الصدر. بادي الصحة بما يلفت النظر. يعرفه المارة والجالسون، فهم يتقونه بإلقاء السلام، أو بالدعوة للضيافة، أو بعدم الالتفات. وثمة روائح غريبة. نفاذة – وإن ألفها - تأتي من داخل البيوت، ونجمة داود متداخلة في الأبواب والشرفات.. تمنى – بينه وبين نفسه - لو أن هؤلاء الجالسين في الدكاكين، الواقفين على النواصي، المطلين من النوافذ، تحرشوا به. شاكلوه مثلما فعلوا مع علي الصغير. ينهي المسألة بمفرده. يطيح فيهم بيديه. يفش الغل الذي يخنقه منذ سنوات. ليست المسألة في مشاكلة علي وإيذائه. يستطيع الوصول إلى الفاعلين. يترك لأصدقائه أمر تأديبهم. فلا يعودون إلى أذية الناس، أو يتركون الحي بلا عودة. الثأر شخصي، لا يقف عند فرد أو أفراد. يمتد إلى حارة اليهود كلها. ناسها وبيوتها ودكاكينها ومعاملاتها. أفلسوه في يوم وليلة. مهدوا لذلك سنوات، بالقروض والشيكات المؤجلة والبضائع الأمانة، ثم هطلوا كالسيل دفعة واحدة. أصبح دكان المصوغات والمجوهرات ملكًا لمن دفع السعر الأعلى. يسرع في خطواته إذا سار أمامه. يصعب عليه النظر، ولو بطرف عينه. الهَمُّ تصاعد داخله، ملأه، حتى تمنى الموت. لما جاء الولد علي يبكي الإهانة، قرر أن يصفي الحساب كله. يكون الدرس في حجم التأثير المطلوب، يعرف اليهود أنهم يسكنون الحارة، ولا يملكونها. من حق الناس أن يمشوا في الشوارع، والأزقة، دون خوف أذى. هل ضربوا علي الصغير في خناقة بين أطفال، أو أنهم كانوا يعرفون أن الولد ابنه؟. سأله عن الأولاد: هل هم أصحابه؟.. وهل يعرفون من هو؟.. وهل تحرش بهم، أو ضربوه بلا سبب؟.. روى الولد – في مكانه – ما حدث: آذته المفاجأة أكثر مما آذاه الضرب. وجد نفسه وسطهم. أحكموا حصاره في حارة خميس العدس، وانهالوا عليه بالضرب القاسي، المتواصل، بالأيدي والأقدام والعصي الصغيرة، أنقذه مرور موظف بدار صك النقود. صرخ في الأولاد، فابتلعتهم البيوت والحواري الجانبية. أكد الموظف – لما سأله جعلص - كل ما قاله الولد علي.. أردف الرجل في تأثر: - حتى الكبار لم يعودوا يأمنون على أنفسهم إذا ساروا في الحارة. أذهله صبحي أفندي منصور، مأمور قسم الجمالية، عندما كلمه فيما حدث. أشار الرجل إلى كتفه، وقال في أسى واضح: - ماذا تقول في إلقائهم الوسخ من نافذة، على مأمور القسم؟ غالب الدهشة: - كيف؟.. قال المأمور: - كنت أختصر الطريق من الموسكي إلى القسم.. في عدم تصديق: - ربما لم يعرفوا من أنت؟.. قال المأمور: - والبدلة الميري؟.. - لعل الوسخ ألقي عفوًا، أو خطأ؟.. - والضحكات التالية لما حدث من المطلين في النوافذ، والجالسين أمام الدكاكين؟.. وهو يضرب جبهته بقبضة يده: - هذه مصيبة!.. دَلَّك المأمور بإصبعيه تحت أنفه: - تكررت المصائب كثيرًا في الفترة الأخيرة.. أخلى وجهه للغضب: - هل تأذن لي في التصرف؟.. قال الرجل وهو يعاني: - أنا موظف رسمي.. أحتاج إلى التدقيق والإثبات ومراعاة الحساسيات.. أما أنت.. وعلا صوته: - تصرف يا جعلص!.. لم يكن من الفتوات، ولا سَعَى إلى جعل الفتونة مهنته، شاهده الخواجة السائح في خان الخليلي. أعجب بصحته البادية. سأله عن مهنته.. قال: - كنت صائغًا.. أضاف للتساؤل في عيني الرجل: - أبيع الذهب والمجوهرات.. - وماذا تعمل الآن؟.. قال في بساطة: - أفلست.. وأعمل الآن في حمل الخزائن.. مَطَّ الرجل شفته السفلى، وقال في إعجاب: - مهنة مناسبة لمن هو في قوتك..

اﻟﺘﺼﻨﻴﻒ : قصص

ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﻣﺮاﺟﻌﺎﺕ

ﻻ ﻳﻮﺟﺪ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎﺕ... ﻛﻦ ﺃﻭﻝ ﻣﻦ ﻳﻀﻴﻒ ﺇﻗﺘﺒﺎﺳﺎ ﻣﻦ ﻫﺬا اﻟﻜﺘﺎﺏ.